لم يعد الطعام مجرد وسيلة لإشباع حاجة أساسية من حاجات البشر؛ لقد تخطى هذا ليصبح ثقافة تميز أمة عن غيرها، بل تعدى هذا أيضًا ليصبح مصدرًا من مصادر التدفقات المالية والسياحية التي تحرص عليها الدول، وأصبح من المعتاد أن نسمع عن مهرجانات تقام لدعم سياحة “تذوق الطعام”، ويقام على هامشها كثير من الفعاليات الثقافية، التي ترتبط وتتداخل مع أنواع أخرى من السياحات، مثل الرحلات الاستكشافية، والسياحة الطبية والعلاجية، كما تستخدم هذه المهرجانات وسيلةً للترويج السياحي، ودعم الاقتصاد والترويج لعلامات تجارية بعينها، ليصب الأمر في نهايته في الدخل القومي لبلد ما.
وتمتلك روسيا إرثًا ثقافيًّا كبيرًا يؤهلها لدور ريادي ومنافس في مجال سياحة تذوق الطعام، واستعراض فنون الطهي، حيث يتميز المطبخ الروسي بسمات مميزة قلما تتوافر لغيره من مطابخ العالم، فالدولة التي تملك هذه المساحة الشاسعة، والتي تمتد جغرافيًّا وتاريخيًّا هذا الامتداد العميق، والتي تحظى بسمات طبيعية فريدة، والتي ضمت هذا العدد الضخم من الدول تحت مظلة حكمها، وصهرت وتأثرت بالثقافة الخاصة لكل من هذه الدول، حتمًا سيكون لديها مطبخ فريد ومميز.
الطعام ثقافة
لا يُنظَر إلى الطعام على أنه مجرد غذاء؛ إنه ثقافة تبدأ من طريقة إعداد المائدة، وشكلها، وترتيب الجالسين إليها، والطعام المرتبط بالأعياد الدينية أو الاجتماعية، أو المخصص للولائم، أو حتى طعام المناسبات الشخصية، وقد مرت هذه الطقوس في روسيا بتغيرات كثيرة، فالأدب الروسي يصور لنا التغييرات التي حدثت في حياة الناس بعد انتقالهم من الوثنية واعتناقهم المسيحية، حيث كانوا في البداية يجلسون على الأرض، ثم بدؤوا باستخدام الطاولات والمقاعد، كما أن ترتيب أفراد العائلة حول المائدة أيضًا له نسق معين، حيث يجلس الأب أو الزوج على رأس المائدة، ويتوزع البقية حسب الأقدمية والقرابة على طرفي المائدة، وقد ظلت هذه التقاليد حتى الآن، خاصة في المجتمعات الريفية.
كما أنه من المتفق عليه أن نمط الطعام الذي يستهلكه الناس ينعكس على ثقافتهم، ويكون حاضرًا بقوة في أساطيرهم وملاحمهم الشعبية وفولكلورهم، ويكتسب الطعام وظيفة اجتماعية وثقافية، ويرتبط بتخصصات أخرى، مثل الأنثربولوجيا، وعلم الجغرافيا والتاريخ، وعلم الاجتماع، وكذلك الدين، وغيره، وهو ما جعل العلماء يتجهون إلى دراسة المأكولات والتقاليد الغذائية لشعوب العالم، والمطبخ الوطني جزء لا يتجزأ من ثقافة أي أمة، وهو مثل اللغة الوطنية، يعكس سمات الشعب وتاريخه.
ومن الأمثلة التي يمكن أن نستدل بها على العلاقة بين الطعام والعادات الثقافية المتبعة عند الشعب الروسي التقليد الروسي الشهير في تحية الضيوف بالخبز والملح، هذا الطقس السلافي الأصيل الذي منه خرج المثل الروسي الذي يقول: “الخبز هو رأس كل شيء”، وكان الخبز هو المنتج الأكثر أهمية للسكان السلافيين، في حين أن الملح كان له أهمية كبيرة؛ لأنه كان المادة الحافظة الرئيسة للطعام في المناخ البارد الذي تتميز به روسيا؛ وعليه فقد تم اعتبار الخبز والملح دليلًا على حسن الضيافة والرغبة في مشاركة (الأهم) وهو “الخبز” و(الأغلى) وهو “الملح”.
لمحة عن المطبخ الروسي التقليدي
يضم المطبخ الروسي مجموعة متنوعة من الأطعمة، لكن بشكل رئيس، فإنه لا يمكن الاستغناء عن “الحساء”، خاصة مع الجو البارد معظم أوقات العام، وأشهرها حساء “البورش”، الذي يعد بالشمندر الأحمر، والكريمة الحامضة، وهناك أيضا “الفطائر الروسية الشهيرة” التي تقدم حلوة مصحوبة بالمربى والقشدة الحامضة والعسل، أو مالحة مع الأسماك المملحة والكافيار واللحم والبصل الأخضر، وتحظى بشعبية شهيرة ليس داخل روسيا وحدها؛ بل في المطاعم العالمية أيضًا.
الشاي.. ثقافة فريدة امتاز بها المطبخ الروسي
يشكل مشروب الشاي جزءًا مهمًّا من المكون الثقافي القومي للشعب الروسي عبر تاريخه الطويل، وتخضع عملية إعداد مشروب الشاي في روسيا لطقوس فريدة، حيث يعد الروس الشاي خفيف جدًّا (4 جرامات فقط لكل لتر ماء)، ويرجع المؤرخون سبب هذا إلى عادة قديمة اكتسبها الروس، وصارت جزءًا من موروثهم الثقافي، حيث بدأ ظهور الشاي في روسيا لأول مرة عام 1683، وكان يُجلَب من الصين، وقد جيء به هديةً للقيصر “ميخائيل رومانوف”، وكان الشاي يعامل معاملة الدواء؛ حيث استُخدم علاجًا للكوليرا، وكان يباع في الصيدليات، قبل أن يتحول من منتج طبي إلى مشروب وطني ذائع الصيت، يعتمد عليه السكان ليمدهم بالدفء والطاقة في ليالي الشتاء القارس.
وتتميز الثقافة الروسية في تقديم الشاي أيضًا بتقديمه بدون سكر تمامًا، ويكون مصاحبًا له حلوى أو مربي أو فواكه مجففة أو كعك أو قشدة أو فطائر أو بسكويت، بحيث يحصل الشارب على حلاوة المذاق من الطبق المرافق، وليس من الشاي كما هي العادة عند العرب وبعض الشعوب الأخرى، غير أنه أحيانا تقدم مع الشاي بعض أطباق اللحوم أو الليمون المملح.
أما أهم ما يميز تقديم الشاي في روسيا فهو التقليد الروسي الشهير بوضعه في إناء خاص يُسمى “سامافار”، أو صنعه في إبريق شاي منفصل، وبجواره إبريق آخر به ماء مغلي، ويصب نصف الفنجان من الإبريق الأول، ويكمل الفنجان بالماء المغلي من الإبريق الثاني.
أطباق روسية وصلت إلى العالمية
منذ بداية القرن العشرين، أُدرجت كثير من الأطباق الروسية في القائمة الرسمية لأطباق مطبخ المطاعم الأوروبية المعتمدة من الطهاة العالميين، مثل طبق “ستروجانوف” الشهير، الذي يُقدَّم في معظم مطاعم العالم، ويُعد من اللحم أو الدجاج والفطر والكريمة والدقيق والزبدة.
والحديث عن ثقافة الطعام الروسية لا يقل إثارة عن حضارة هذا البلد العريق، الذي سحر العالم بفنه وثقافته وعلومه وأدبه وموسيقاه ومعماره وتطور صناعاته، ويحتل المطبخ الروسي دورًا بارزًا في سياسة الدولة الخارجية، ويعد إحدى أذرع قوتها الناعمة التي يُروَّج من خلالها لهذا البلد العريق سياسيًّا وعالميًّا، وقد ساعدت العولمة وانتشار التكنولوجيا في هذا الأمر كثيرًا.





